الشيخ المنتظري
206
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
وإن كان ممّن لم يفوّض إِليه عموم النظر احتاج إِلى تقليد وتولية إِذا اجتمعت فيه الشروط المتقدمة . . . فقد نظر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوّام ورجل من الأنصار ، فحضره بنفسه فقال للزبير : " اسق أنت يا زبير ثمّ الأنصاري . " فقال الأنصاري : إِنّه لابن عمّتك يا رسول اللّه . فغضب من قوله وقال : " يا زبير أجره على بطنه حتى يبلغ الماء إِلى الكعبين . " وإِنّما قال : أجره على بطنه أدباً له لجرأته عليه . واختلف لم أمره بإجراه الماء إِلى الكعبين هل كان حقّاً بيّنه لهما حكماً أوكان مباحاً فأمر به زجراً ؟ على جوابين . ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد ، لأنَّهم في الصدر الأوّل مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف إلى الحقّ أو يزجره الوعظ عن الظلم ، وانما كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء . . . ثمّ زاد من جور الولاة وظلم العتاة ما لم يكفهم عنه إِلاّ أقوى الأيدي وأنفذ الأوامر . فكان عمر بن عبد العزيز أوّل من ندب نفسه للنظر في المظالم ، فردّها وراعى السنن العادلة وأعادها . وردّ مظالم بني أميّة على أهلها حتّى قيل له - وقد شدّد عليهم فيها وأغلظ - إِنّا نخاف عليك من ردّها العواقب ، فقال : كلّ يوم أتّقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته ! ثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة فكان أوّل من جلس لها المهدي ، ثمّ الهادي ، ثمّ الرشيد ، ثمّ المأمون ، فآخر من جلس لها المهتدي حتّى عادت الأملاك إِلى مستحقّيها . وقد كان ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعمّ الصلاح إِلاّ بمراعاته ، ولا يتمّ التناصف إِلاّ بمباشرته . وكانت قريش في الجاهليّة حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت فيهم الرياسة وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يكفهم عنه سلطان قاهر عقدوا حلفاً على ردّ المظالم وإِنصاف المظلوم من الظالم . . . واجتمعت بطون قريش فتحالفوا في دار عبد اللّه بن جُدعان على ردّ المظالم بمكّة وأن